صفي الرحمان مباركفوري

86

الرحيق المختوم

عظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد ، فبعث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال له : يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، فأبق عليّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق ، فظن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن عمه خاذله ، وأنه ضعف عن نصرته ، فقال : يا عم ! واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر - حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه - ما تركته ، ثم استعير وبكى ، وقام ، فلما ولى ناداه أبو طالب فلما أقبل قال له : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فو اللّه لا أسلمك لشيء أبدا « 1 » . وأنشد : واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وأبشر وقر بذاك منك عيونا « 2 » قريش بين يدي أبي طالب مرة أخرى ولما رأت قريش أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ماض في عمله ؛ وعرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك ، فذهبوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له : يا أبا طالب إن هذا الفتى أنهد فتى في قريش وأجمله ، فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولدا فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك ، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم ، فنقتله ، فإنما هو رجل برجل ، فقال : واللّه لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه . هذا واللّه ما لا يكون أبدا . فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف : واللّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك ، وجهدوا على التخلص مما تكره ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا ، فقال : واللّه ما أنصفتموني ، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم عليّ ، فاصنع ما بدا لك « 3 » . لا تذكر المصادر التاريخية زمن هاتين الوفادتين ، لكن يبدو بعد التأمل في القرائن والشواهد أنهما كانتا في أواسط السنة السادسة من النبوة ، وأن الفصل بين الوفادتين لم يكن إلا يسيرا .

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 265 ، 266 . ( 2 ) مختصر سيرة الرسول للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ص 68 . ( 3 ) ابن هشام 1 / 266 ، 267 .